فخر الدين الرازي

243

القضاء والقدر

أنه خلق فيهم الكفر ، ليستدرجهم إلى النار ، لما كان منعما على العبيد . وأيضا : فكل من آمن في الحال ، لم يأمن أن تكون عاقبة أمره : الردة والكفر . وحينئذ يصير كل ما هو فيه وبالا عليه . ومن كان كذلك ، فهو أعظم المفترين ، لأعظم المنعمين . فكيف يستحق العبادة والتعظيم ؟ ولهذا السبب قال الجبائي في تفسير قوله : نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ « 1 » : إن كان تعالى يخلق الكفر في الكافر في الدنيا ثم يعذبه عليه أبد الآباد في الآخرة ، فحينئذ لا يكون هو - تعالى - نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ بل يكون : بئس المولى وبئس النصير . الثاني : إنه - تعالى - إنما يستحق العبادة على العبد ، لو كان العبد قادرا على فعل العبادة . أما إذا كان العبد غير قادر على العبادة . بل يكون القادر على العبادة هو اللّه تعالى لزم أن يقال : إنه استحق على نفسه أن يعبد نفسه ، وذلك غير معقول . قال أهل السنة : كلامكم مبني على أن لفظ « اللّه » معناه : المستحق للعبادة . وهذا باطل . ويدل عليه وجهان : الأول : إنا بينا في تفسير أسماء اللّه « 2 » : أن « اللّه » اسم علم غير مشتق . الثاني : لو سلمنا أنه مشتق « 3 » ، لكن لا نسلم أن معناه : أنه الذي يستحق العبادة . ويدل عليه وجهان : الأول : إنه لو كان كذلك ، لوجب أن لا يكون إلها للجمادات والبهائم ، لأنه - تعالى - يستحق عليها العبادة ، ولزم أن لا يكون إلها في الأزل لم يخلق أحدا ، ولم ينعم على أحد فلم

--> ( 1 ) سورة الأنفال الآية 40 والحج 78 . ( 2 ) « لوامع البينات شرح أسماء اللّه والصفات » ص 114 . قال : هذه اللفظة ( اللّه ) قد اختلفوا فيها . قال أكثر المحققين : إنها غير مشتقة من شيء أصلا . بل هو اسم انفرد الحق سبحانه به كأسماء الأعلام وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والحسين بن الفضل البجلي والقفال الشاشي وأبي سليمان الخطابي وأبي يزيد البلخي والشيخ الغزالي . ومن الأدباء أحد قولي الخليل وسيبويه والمبرد وقال جمهور المعتزلة وكثير من الأدباء إنه من الأسماء المشتقة . والمختار عندنا هو القول الأول . . . » . ( 3 ) قال الرازي في « شرح أسماء اللّه الحسنى » : اشتقاق لفظة اللّه . القائلون بأن هذه اللفظة مشتقة ذكروا وجوها : الأول : أنها مشتقة من أله الرجل يأله إليه إذا فزع إليه من أمر نزل به فألهه . أي أجاره وأمنه . . . الثاني : أنها من وله يوله وأصله ولاه فأبدلت الواو همزة . . والوله عبارة عن المحبة الشديدة . . . الثالث : إنه مأخوذ من لاه يلوه إذا احتجب . . . الرابع : إنه مأخوذ من لاه يلوه إذا ارتفع . . . الخامس : إنه مأخوذ من قولك ألهت بالمكان إذا أقمت فيه . . . السادس : إنه مشتق من أله الرجل يأله إذا تحيّر . . . السابع : الإله من الإلهية وهي القدرة على الاختراع . . . الثامن : إن الأصل في قولنا : اللّه هي الهاء التي هي كناية عن الغائب . . ثم بدت فيه لام الملك ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما . . . التاسع : إنه مشتق من التأله الذي هو التعبد . . . » ( ص 117 - 126 باختصار ) .